recent
أخبار ساخنة

صالح ابن طريف ودولة برغواطة.. هكذا ادعى أنه المهدي المنتظر في بلاد الأمازيغ

صالح ابن طريف ودولة برغواطة.. هكذا ادعى أنه المهدي المنتظر في بلاد الأمازيغ



لقد لعب الدين دورا لا يمكن إغفاله، فيما عرفته مجموعة من التجارب السياسية على مر التاريخ. ومن ذلك الدول التي نشأت في العالم الإسلامي، والتي بدورها تأسست وتوطدت دعائمها بناء على الدعوات الدينية، بداية من الدولة الإسلامية الأولى مع الدعوة المحمدية، الى الدولة الموحدية التي تطرقنا لها في مقالنا السابق "المهدي ابن تومرت.. كيف وظف الدين لبناء دولة الموحدين" وبغض النظر عن النقاش النظري الذي كان ولا زال يدور حول ما إذا كان الإسلام دينا فقط ام دينا ودولة معا. فإن الواقع التاريخي يؤكد ان التجارب السياسية الاسلامية التي قامت في جزء كبير منها على الكثير من الأسس الدينية والعقائدية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجهاد، الفتح، الإصلاح…الخ) كان لا بد لها أن تعتمد على جهاز سياسي عسكري نشأ بسيطا ليتطور بسرعة الى جهاز معقد هو الدولة بالذات.

ونحن نسعى في هذا السياق الى البحث في الارتباط الذي كان قائما بين الدين والدولة في الإسلام، من خلال التطرق الى بعض التجارب السياسية التي عرفها التاريخ الإسلامي، بغض النظر عن المذهب أو التوجه الأيديولوجي، هل هم سنيون أو شيعيون أو خوارج أو ما إلى ذلك من المذاهب. طالما أن هنالك عاملا مشتركا بينها جميعا، وهو الدين، وكيف ساهم هذا الدين في بناء وتأسيس هذه الدول. ومن بين أهم التجارب التي يمكن التطرق اليها في هذا السياق هي "الدولة البرغواطية" التي نشأت على الساحل الأطلسي المغربي بين اسفي وسلا في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي.

لقد كان للأوضاع السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب إبان الحكم الأموي دور كبير في التمهيد لتأسيس دولة برغواطة. فنشأة أي دولة باعتبارها ظاهرة سياسية لا يمكن فصلها عن السياقات الاجتماعية. وهي بالتالي تكون نتيجة لاجتماع العديد من الظروف والمسببات. فمرحلة نشأة الدولة البرغواطية تزامنت مع فترة حكم الأمويين، والتي تميزت بكثرة اضطراباتها وعدم استقرارها وذلك لعدة أسباب، أهمها الفتن السياسية الناجمة عن الخصومات، إضافة إلى التصرف الحاد من بعض الولاة الأمويين في المغرب بحق البربر، وما تميزوا به من عنف من أجل جمع الأموال والغنائم والجواري، وفرض الضرائب والجبايات، حتى وإن خالفت ما نص عليه الإسلام. فقد جاء عن ابن الاثير قوله "ان الوالي عبد الله بن الحبحاب عندما بعث حبيب بن ابي عبيدة بن عقبة بن نافع إلى المغرب فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان فلم يقاتله أحد إلا ظهر عليه وأصاب من الغنائم والسبي أمرا عظيما فملئ أهل المغرب منه رعبا" الأمر الذي سيقود الأمازيغ إلى اعتناق المذهب الصفري والثورة على حكام بني أمية.

بعد مواجهات عديدة بين الأمويين والأمازيغ الثائرين على الحكم الأموي بقيادة ميسرة المطغري والمعتنقين للمذهب الصفري الخارجي، وهو مذهب يدعو إلى رفض الظلم والعدوان. وقد كان النصيب الأكبر من الانتصارات لصالح الأمازيغ، وبعد حدوث انقسام في صفوف الأمازيغ ووفاة ميسرة. انسحب طريف بن مالك الذي كان قائدا ضمن القوات البربرية من هذا الصراع نحو منطقة تامسنا (بين وادي أبي رقراق ووادي أم الربيع) وقام بتأسيس الدولة البرغواطية. وبعد وفاته تولى ابنه "صالح بن طريف" الحكم واستطاع أن يوطد سلطته، وأن يبسط نفوذه على مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة به، حتى أضحت برغواطة في عهده من اقوى الكيانات السياسية القائمة في المغرب على مدى ثلاثة قرون. إذ يمكن القول أن دولة برغواطة لم تتبلور في شكلها السياسي-الديني حتى فترة حكم صالح بن طريف، خاصة بعد أن ادعى النبوة وشرع لهم دينا خاصا بهم وبلغتهم الأمازيغية.

إن مسألة دين برغواطة من أكثر الأمور المحيرة التي اختلف في شأنها المؤرخين. إذ وصفها أغلبهم بالخروج عن دين الإسلام وجنوحها في العديد من الأمور إلى الديانات المجوسية واليهودية وامتزاجها أيضا ببعض الطقوس الوثنية التي كانت معروفة عند البربر قبل الفتح الإسلامي. وفي هذا السياق يذكر ابن حوقل أن صالح ابن طريف قد سافر إلى العراق ودرس هناك علم النجوم والفلك ثم رجع إلى قومه من البربر فدعاهم إلى الإيمان به كنبي ورسول مبعوث إليهم من الله، واحتج بالآية الكريمة "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ" فلما كان محمد هو نبي العرب، فان صالح هو نبي البربر. واكد ابن حوقل على ان دعوة صالح قد أحدثت اثرا قويا في نفوس الأمازيغ، فقد بدل معارفهم وافترض عليهم طاعته في سنن ابتدعها واحوال فرضها واخترعها.

أما البكري فقد ذكر العديد من العقائد التي جاء بها صالح، ومنها أنه ادعى نزول قرآن جديد عليه، كما ادعى بأنه هو نفسه "صالح المؤمنين" الذي تم ذكره في "سورة التحريم" وقد أعلن أنه المهدي المنتظر، وارشد اتباعه إلى تغيير بعض صفات الوضوء، كما غير شكل الصلاة، وشرع لاتباعه أيضا إفطار شهر رمضان وتقديم الصيام إلى شهر رجب، وأباح الزواج بدون شرط، وحرم ذبح الديك. بالإضافة إلى تغيير الكثير من الأمور المتعلقة بحكام السرقة والقتل والزنا والزكاة والعشور. ويذكر ابن ابي زرع الفاسي أسماء مجموعة من السور التي وردت في قرآن صالح بن طريف، فيقول أن معظم هذه السور قد سمي على أسماء الأنبياء والرسل مثل نوح وموسى وآدم، والبعض الآخر سمي على أسماء الحيوانات مثل الديك والجراد والجمل. وقد أورد البكري مقتطفا من سورة أيوب التي تقابل سورة الفاتحة في القران "بسم الله الذي أرسل كتابه إلى الناس هو الذي يبين لهم اخباره، قالوا علم ابليس القضية، ابى الله، ليس يطيق ابليس".

إن سردنا لهذه الأحداث والتواريخ، هو بهدف الخروج بالاستنتاجات والعبر، وما دمنا نناقش الترابط القائم بين الدين كعامل أيديولوجي موحد للشعوب وبين الإرادة السياسية والسعي نحو السلطة وبناء الدول والكيانات السياسية والحفاظ على استقرارها وتماسكها، فإنه لا بد من الإشارة إلى الدور الذي لعبه الدين في نشأة العديد من الدول في العالم الإسلامي، فقد تطرقنا في مقالنا السابق للتجربة الموحدية وكيف تمكن ابن تومرت من أن ينجح في دعوته السياسية بناء على فكرة دينية. كما عملنا من خلال مقالنا هذا على الانفتاح على بعض التجارب التي اتخذت من التجربة الإسلامية مثالا لها، ونجحت في تكوين دولة استمرت لقرون حتى تمكن الموحدون في سنة 1149 من القضاء عليها دينيا وسياسيا، ولعل أهم نقطة يمكن استخلاصها من التجربتين، هي اشتراكهما في العديد من الأمور، فكما ادعى ابن تومرت أنه المهدي المنتظر، ادعى صالح ابن طريف الشيء نفسه، قام ابن تومرت بتأسيس الدعوة الموحدية بناء على فكر المرشدة، في حين قام ابن طريف بادعاء النبوة وتشريع قرآن جديد باللغة الأمازيغية.

وهذه الأمور تأتت من ادراكهما للأهمية التي يلعبها الوازع الديني، وكيف يمكنه أن يعمل على توحيد القبائل على فكرة واحدة، ودفعهم إلى الجهاد وطاعة الحاكم والامتثال لأوامره، دون أي تفكير في العصيان أو التمرد على اعتبار أنه معصوم من الخطأ وكل ما يقوم به هي أوامر وقواعد الهية. وهذا يقودنا إلى دور آخر يلعبه الدين، يتجاوز مسألة تنظيم علاقة الإنسان بخالقه أو بغيره، أو باعتباره منظومة أخلاقية، اجتماعية. إلى مسألة أخرى تعتبر من الأهم مما كان، هي دوره الأيديولوجي-السيكولوجي-السياسي، لماذا جمعت هذه العناصر مع بعضها؟ الأمر سهل، وهو أن الفاعل السياسي الذي تقوده الرغبة في امتلاك السلطة والحفاظ عليها، في التجارب التي تطرقنا لها، كان واعيا تماما بهذه العوامل، فعمل على توظيف الدعوة الدينية التي اعتبرها ابن خلدون الأيديولوجية التي تستقطب القبائل وتوحدهم وتحفزهم على التغيير. وأضيف أنها تلعب أيضا دورا أهم، قد لا تنجح فيه "الدعوة السياسية" وهو التأثير في الشعوب وحتهم على الانقياد وتقبل الأوامر دون تردد، فلو طلبت من شخص أن يتقدم للخدمة العسكرية قد يرفض، ولكن إن قلت له أنك ستجاهد في سبيل الله وستنال الجنة إن مت شهيدا وأنت تقاتل في سبيل أمتك، فأكيد أنه سيتقبل الأمر دون تردد ودون خوف. وقس على ذلك من الأمثلة المختلفة. وسنحاول في مقالاتنا القادمة أن نتناول بعض التجارب الأخرى التي جسدت الترابط القائم بين الدين والدولة في التاريخ الاسلامي، وربما الغربي أيضا.
——————————
المراجع:
– محمد عابد الجابري "العقل السياسي العربي"
– ابن الاثير "الكامل في التاريخ"
– ابن حوقل "صورة الأرض"
– البكري "المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب"
– ابن ابي زرع الفاسي "روض القرطاس"

الكاتب : عثمان سحبان 
google-playkhamsatmostaqltradent