recent
أخبار ساخنة

"علامة السجود" ولحيتك لا يجعلان منك داعية إسلامي!

"علامة السجود" ولحيتك لا يجعلان منك داعية إسلامي! 



مع احترامي وتقديري الكبيرين لعدد كثير من دعاة الإسلام المعاصرين الذين يحملون مشعل الدعوة والإصلاح، إلا أن بعضا من دعاة الإسلام في هذا العصر غير متفهمين تماما لطبيعة الأهداف التي يعملون لها، ولا بعد الطريق التي يسيرون فيها، ولحقيقة المتطلبات التي يحتاجها العمل الإسلامي من حياتهم ووقتهم وتفكيرهم، ومن أنفسهم وأموالهم. وهذا ما يجعلهم في كثير من الأحيان أمثلة غير حسنة لما يدعون الناس إليه، ونماذج غير صالحة لما يأمرون الناس به. وبالتالي يجعلهم في حياة الحركة الإسلامية عبئا ثقيلا، وأوزارا تعيق سيرها وتحول دون انطلاقها.


إن فريقا من هؤلاء يظنون أن تكاليف العمل الإسلامي تسقط عن كواهلهم إذا هم أصدروا كتابا، أو كتبوا مقالا، أو ألقوا محاضرة. وأخرين يعتقدون أن مجرد انتسابهم إلى حركة إسلامية وحضورهم اجتماعاتها، ودورانهم في فلكها هو غاية الغايات ومنتهى الأمنيات؟ أن هؤلاء وأولئك -لا شك ـ يعيشون على هامش العمل الإسلامي، ولم يدخلوا في الواقع ميدانه الأصيل أو يعيشوا أجواءه الحقيقية.


إن ارتداء لباس أبيض أو حمل مسبحة في اليد، أو إطالة اللحية والاهتمام بمظهرك وشكلك، ليبدو كأن نور الإسلام ينعكس عليك، وإلقاء بعض الدروس والمحاضرات، وتقديم برامج على التلفاز أو وسائل الإعلام البديلة، وإلقاء مواعظ وحكم السابقين من الفقهاء والمفكرين، لا يجعل منك داعية إسلامي بما تحمله الكلمة من معنى، أو مثالا يحتذى به لدى الشباب. فواقع الحال يشهد على أن الداعية الإسلامي اليوم، لم يعد هو ذلك الفقيه العالم المتواضع المحايد.


الداعية الإسلامي أضحى كالأخرين يجري وراء الشهرة والثروة وشراء السيارات والفيلات والسعي وراء نيل رضى الحكام والعيش في كنفهم ورعايتهم، حتى ولو كان ذلك على حساب التخلي عن كلمة الحق. وهذا يخالف المفهوم الصحيح لتكاليف العمل الإسلامي الذي ينبغي أن يرسخ في أذهان الدعاة على أنهم مدعوون لشيء يسمى (التضحية). التضحية التي تتجاوزها في معناها حدود أصنافها وأوصافها. والتي تعني تقديم مصلحة الإسلام على كل مصلحة، والتي تعني كذلك الدوران في رحى الإسلام كائنا ما كانت الظروف ومهما غلت التضحيات.


إن (العمل للإسلام) يعني العمل على هدم ومحاربة الأمراض والأوبئة التي تهدد الإسلام والمجتمع الإسلامي في كل ركن من أركانه، أي المساهمة في إصلاح وبناء المجتمع في كل شأن من شؤونه، يعني استئصال الجاهلية كلها، سواء كانت جاهلية أفكار أم جاهلية نظم أو جاهلية أخلاق، ويعني كذلك مواجهة دعاة هذه الجاهلية والمدافعين عنها-والجاهلية هنا كل ما هو مخالف لتعاليم الإسلام- ويعني أخيرا إقامة حكم الله في الأرض وهدم حكم الطاغوت.


إن طريقا كهذا الطريق الصعب الشاق، وإن أهدافا كهذه الأهداف الضخمة الكبيرة، وإن تكاليف كهذه التكاليف الجسيمة الثقيلة، ينوء بحملها ضعفاء الإيمان، ولا يستطيع التصدي لها إلا من وقف حياته للجهاد في سبيل الله، وإلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ـ وإلا من استخلص نفسه من الشغف بمتاع الدنيا وشهواتها والإقبال على مفاتنها ومغرياتها (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).


إن شرف العمل للإسلام لا يستحقه من دعى بلسانه، متشدق ببيانه، إنما يستحقه الذين يعيشون للإسلام ويموتون من أجله لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الله والجهاد في سبيله. فطريق الجنة وعر وشاق، وأن سلعة الله غالية لا ينالها إلا من دفع الثمن وسدد الحساب. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا أن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).


قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه. فقال: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقسمه وقسم للأعرابي. فقال الأعرابي للرسول: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا -وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة. فقال: أن تصدق الله ليصدقنك الله. ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به وهو مقتول، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا نعم، قال (صدق الله فصدقه). وهذا هو طريق الدعوة وطريق الجنة، عمل متواصل، وجهاد مستمر، وحرص على الشهادة.


إن الداعية أو العالِم أو الفقيه الإسلامي اليوم مطالب ببذل مجهود أكبر للقيام بدوره إلى جانب باقي القوى الإصلاحية، لمواجهة الأخطار والتهديدات التي يواجهها الإسلام والعالم الإسلامي أجمع سواء الخارجية (الإرهاب ، العولمة ، الإلحاد …) أو الداخلية التي تولدت من صلب الإسلام كمشكل الصراع الطائفي. وكذلك المساهمة في تطوير وإغناء وتجديد الفكر الإسلامي ومواكبة التطورات والمستجدات التي يعرفها العالم، وتصحيح النظرة السلبية التي أضحت منتشرة عن دين الإسلام. فالإسلام منهج حياة، هكذا ينبغي أن يفهم وهكذا يجب أن يطبق، وهو ثورة شاملة، ثورة لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة، وإنما تمتد إلى كل جانب، ثورة لا تعبر عنها (كلمة أو شعار) بل هي تحويل (كيفي) للمجتمع وتغيير جذري لمرتكزاته الأساسية على كل صعيد.


الكاتب : عثمان سحبان 

google-playkhamsatmostaqltradent