recent
أخبار ساخنة

المجتمعات العربية وسؤال التغيير

المجتمعات العربية وسؤال التغيير



سُؤال التّغيير، كيف نتغير، أو من أين يبدأ التّغيير؟ كثيراً ما يُطرح هذا السّؤال في مواقِف كثيرةٍ ومناسبات عديدة، ولأسباب مُختلفة دون أن يتمّ الحسم في إجابة نهائيّة له. اليوم نطرح هذا السّؤال على أنفسِنا، وذلك في اتصالنا بالمُجتمع ومُكوّناته -خاصة الأفراد- وعلاقاتِنا اليوميّة، نظرتنا إلى الأشياء، تحليلنا الشّخصي لأُمور الحياة، أو بتعبير آخر تفاعُلنا مع لحظات الحياة اليوميّة، ما يمرّ أمامنا، ما نحتكّ به من أشخاص وأشياء. كيف نفكر ونُصدر أحكاما جاهزة تُدخِلنا في حلقةٍ مفرغة، وتجعلنا وسط دوّامة من الانشغال والتّفكير، وكيف تجعلنا أفعالُنا وتصرّفاتُنا وعاداتُنا تحت ضلّ الجاهليةِ والتخلّف.

الحياةُ مواقِف، مشاكل ولحظات، قد نكون جزءاً منها، أو نشاهدُها، ويصعب علينا في كثير من الأحيان أن نمرّ على بعضها دون ان ينشغل بالنا بتحليلها، وقد يقُودنا الفضول أحياناً إلى البحث فيها، أو انتقادها في أحيان أخرى. لنصدر في نهاية الأمر رأينا او حكمنا او رُؤيتنا الشّخصية حول هذا الموقف أو ذاك. وقد نتخذ أحياناً أراء متعصّبة، يكون لها غالبا تبعات سلبية. لنا عادات وتقاليد وأعراف تطوّرت مع الزّمن في احتكاك بعوامِل مختلفة، من هذه العادات ما هو سلبي، يساهم في كثير من الأحيان في إعطاء صورة سيئة عن مجتمعاتنا ويُعرقل من وثيرة التغيير. لذلك يعتبر الكثير أننا اليوم وسط (مجتمعات متخلفة)! على نواحي متعددة، مجتمعات لا زالت عالِقة وسط ركام الماضي، غير قادرةٍ على تجاوزِ مشكلات الحاضِر! 

ما يظهرُ اليوم على السّطح الثقافي للمجتمعات العربية من مُعتقدات دينية أو اجتماعية أو اقتصاديّة أو سياسية هي مُجرّد رُؤى وأفكار ونظريّات فُرضت عليها بالإكراه أو الوراثة، أو تولدت بين أوضاعها بطرق غير شرعية نتيجة تنوّع الظروف التي تعرضت لها، وهي لم تكتسب درجة الإيمان المُطلق بشكل قطعي، وبقيت معلقةً قد تسقط نتيجة أي حدث طارئ. وما يعمّ مجتمعاتنا اليوم هو التقاطع الحادّ بين المعتقدات المثالية ذات السقوف العالية وبين أرضية الواقع المنخفضة. وما يلاحظ أيضاً أن كل النظريات والعقائد والأديان لم تستطع السيطرة على عُموم المجتمع وإن تمّ لها ذلك فبالتأكيد لم يتحقق ذلك كل الوقت وبقيت فوضى الأفكار تتصارع حتى في داخل العائلة الواحدة. وتعددت نتيجة ذلك التيّارات وتصارعت لتثبت وجودها بالقوّة بدلا من التفاهم والتحاور. كل هذا وأكثر سببه تمزّق الأفكار والمعتقدات وتشتتها وضُعف إيماننا بها وعدم امتلاكنا رُؤية مُوحدة للماضي والحاضر والمُستقبل.

من المشاهِد الغريبة التي أعايشها يوميّا، أنه من المستحيل أن يمرّ شخصٌ على فتاة ترتدي لباساً مكشوفاً، دون أن يُصدر رأياً، أو يقول في نفسه كلاماً لا يعلمه إلا الله! ومن الصعب في أحيان كثيرة أن يُصادِف شخصٌ شخصاً آخر من دين مُختلف دون أن يتخذ ضِدّه موقفا شاذّاً! لماذا الصّراع دائِمٌ بين الأعراق والأقليّات على الرّغم من أنهم من نفس الوطن والتراب! أحياناً قد تجد أن الصّراع قائم بين طائفتين من دين واحد دون أن يصلوا إلى أي اتفاق أو انسجام! وهذا قليل من كثير، كثير من المشكلات والجراثيم التي علقت بمجتمعاتنا، وساهمت في جعلنا ضمن دائرة (التخلف). لذا نحن اليوم بحاجة إلى التغيير، تغيير جذري في جُل بنيات ومكوّنات مجتمعاتنا، بالتركيز على عقليّة الفرد، العقلية التي يجب أن نعمل على إعادة بنائها بناءً حضاريا وجديداً، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات مجتمعاتنا وينفتح انفتاحاً إيجابيا على المجتمعات الغربيّة والمتقدمة.

التغييرُ لكي يَكون على صعِيد عام وواسِع عليه أن يبدأ من كل فردٍ على حدة، علينا أن نُغيّر من طريقة تفكيرنا ورؤيتنا، وهذا التغيير يجب أن يبدأ من أنفسنا، أن نتفاعل مع الحياة بطريقة مُغايرة، وننظر إلى الأمور بطريقة مختلفةٍ. هذا مُسلم أو مسيحي أو هِندوسي، وهذا أمازيغي أو عربي أو كُردي، أين الفرق والمشكل؟ كُلنا بشر، كلّنا جزء من الإِنسانية جمعاء، ومن أنت لتقول عنه كافر أو بربري أو متخلف ما شابه؟ عليك أن تُعامله باحترام وتقدير كأيّ شخص أخر، أن تجعل الأخلاق هي طريقك. فتاةٌ ترتدي لباساً غير محتشم، هذا ليس شأنك، تلك حياتها الخاصة، عليك أن تهتّم بأمورك وما يتعلق بك فقط. شخص يفطر علنا في شهر رمضان، ربما هو مريض ولا حرج في ذلك، استمر في طريقك ولا تشغل بالك بالأمر. خرجتَ من المسجد فوجدت شخصا ملتزما مارّا من أمامه دون أن يدخل للصلاة، ربما صلى بمسجد آخر، أو سوف يصلي بمنزله.

أنتَ سياسي أو وزير، حاول خِدمة بلدك، تخلى عن الميكيافيلية ولو قليلا، وحاول مساعدة وطنك والمساهمة في تغييره. أنت مُوظف، حاول أن تقوم بوظِيفتك على أكملِ وجه وتجنب الخداع والكسل والغش والرشوة. أنت صاحب شركة أو مقاولة، حصلت على صفقة لمشروع ما، حاول أن يكون عملُك هذا نزيهاً بعيداً عن أي غِشّ أو تدليس. أستاذ، فقيه أو باحث، فلتقُم بعملك بشكل نزيه وبضمير مهني، ولتحاول بذل كل جهدك من أجل المساهمة في البحث المُتجدّد والإغناء الكامل لمجال بحثك. أنت مواطن عادي، تعيش وسط كل هذه المشاكل والمتناقضات، حاول ألا تتأثر بذلك، حاول القيام بما في وسعك لتساهم بشكل فعّال وإيجابي في تطوّر بلدك، أحب وطنك، لا تتأثر بما يعاني منه من مشاكل، فوطنك يبقى له حقّ عليك.

شخصٌ يضع لِحية لكنه لا يُصلي، حاول نُصحه ولا تتهكم عليه أو تسخر من حالِه، ربما يكون أفضل منك في أشياء لا يعلمها إلا الله. صديقك المقرب تأخر عن موعدكما، ربما كان الطريق مزدحما أو تأخر بسبب قضائِه لأغراض مهمة، تأخر في الرد على رسائِلك أو مُكالماتك، ربما نفذت بطاريةُ هاتفه او نفذ رَصيده أو ما شابه ذلك. صديقك تكلم معك بأسلوب حادّ وغير لائق ربما هو في مشكلة كبيرة ولم يقدر على التحكم في نفسه، حاول أن تستفسر عن الأمر وحاول تفهّمه ومساعدته بذل أن تلومه وتعاتبه. حبيبك تركك، ربما رأى أنه لا يصلح لك وسيزيد حياتك تعقيدا وتأزما، وأنه لا طائل من الاستمرار في علاقتِكما، ففضل الانسحاب. حبيبتُك تخلّت عنك وتزوّجت بشخصٍ آخر؟ ربما عائِلتها أجبرتها على فعل ذلك ولم تقدر على مخالفة أمرِ اهلها، الله يعلمُ حالها، ربما هي الأخرى تُعاني، أُدعُ لها بالخيرِ ولا تلُمها وأكمِل حياتك بشكل طَبيعي.

شخصٌ مقرّب إليك، مرّ من أمامك ونظرتُم إلى بعضِكما البعض ولم يُلق التّحية، ربّما بالُه وعقله مشغولان بأشياء أو مشاكل تُعيق حياته، فلم يعد يرى أمامه. صديقك المقرب أقام حفلا أو مناسبة ولم يَقُم بدعوتِك، لا تهتم لذلك، أعذره، ربّما نسي ذلك لسبب من الأسباب، أو من كثرة التزاماته وانشغالاته. الفتاة التي في المقاعد الخلفيّة لسيارة الأجرة، وتضع رأسها على كتف شخصٍ أخر، إنها أخته، مُتعبة أو مريضة. والأخرى التي تَجلسُ في المقعد الأمامي وتضحكُ مع السائِق، إنها ابنته أو من عائِلته.

رجل يُعانق امرأة على الشاطِئ أو الشارع، ربما هي زوجتُه، لا تحكُم على الأشياء من ظاهِرها. الزّواج هو مُؤسسة اجتماعية سامية، لا علاقة لها بالماديّات. اللِّباس والمال والمظاهر لا تصنعُ الرّجل أو المرأة بقدرِ ما يَصنعه التعلّم والأخلاق والتحضّر. المرأة نصف المجتمع، الأمر لا يتعلق بالعقائد أو الأعراف أو العادات، بل بكائن إنساني قادر على التفوق والعطاء والإنتاج، فمن أنت لتنزل من كرامته، وتختزله في أشغال المنزل و(المعاشرة). والحرية لا تعني العريّ الدعارة، والانسلاخ من الأخلاق، بل هي مفهوم شامل للحياة.

أخيرا ينبغي أن نشير إلى أن التغيير ليس بالمسألة السهلة. ولكي يكون تغييراً إيجابيّا، شاملاً ومستمراً عليه أن ينطلق من إعادة بناء وصياغة العقل العربي، عبر التركيز على التربية والتعليم، وتحرير العقل وبناء الأسس الخاصة بالتفكير الحر والإيمان بمبدأ الاختلاف والتعايش والإبداع، لتتغير بذلك طريقة التفكير، والنظر إلى الحياة والأشياء والأشخاص. وزرع التفاؤل وحب الحياة، والتخلص من التبعية والتخلف، عن طريق الاعتماد على الذات في إنشاء الحضارة دون تقليد للمجتمعات الغربية. إضافة إلى إلغاء الطبقية، من خلال القضاء على الفقر. وتحقيق الحرية والعدالة.
google-playkhamsatmostaqltradent